الراغب الأصفهاني
197
الذريعة إلى مكارم الشريعة
يحفظ عليه بما جعل له من القوة الإلهية . وروي أنه لما نزل قوله تعالى : وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ « 1 » قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعلي : « سألت اللّه تعالى أن يجعلها أذنك » « 2 » فلم يسمع بعد ذلك شيئا إلا وعاه . ومن الناس من يسرع إليه النسيان فما سمعه يكون كالخط يكتب في بسط الماء . وأما البلاغة : فإجادة اختيار الألفاظ والإصابة في تأليفها وقدرها ومعناها وتحري الصدق فيها ، ولا يكون الكلام تام البلاغة ما لم يجمع هذه المعاني ، فإنه متى قبح اللفظ ، أو قبح التأليف ، أو كان أكثر مما يجب ، أو أقل مما يجب ، أو لم يطابق اللفظ المعنى ، إما حقيقة أو استعارة رائقة ، أو كان المعنى محالا ، أو كذبا ، خرج الكلام بقدر ما اختل منه من باب البلاغة ، وقد وصفت البلاغة بأوصاف مختلفة بحسب أنظار مختلفة ، فقال بعضهم : البلاغة هي الإيجاز من غير عجز ، والإطناب من غير خطل . وقيل : ما فهمته العامة ورضيته الخاصة . وقيل : ما اجتيازه فساد له « 3 » . إلى غير ذلك من الأوصاف . وأما الفصاحة : فاشتقاقها من فصح اللبن إذا خلص ، وهي الإصابة في اللفظ يعني اختصاره « 4 » ، والائتلاف ، دون اعتبار الصدق وصواب المعنى ، فكل كلام جزل اللفظ حسن التركيب فموصوف بالفصاحة ، صدقا كان أو كذبا .
--> ( 1 ) الحاقة / 12 . ( 2 ) هذا اللفظ ليس موجودا كحديث ، وتفسيرها عام وليس خاصا بأحد لكن أحمد روى حديثا جاء فيه « وقد أفلح من جعل قلبا واعيا » - مسند أحمد / 5 / 147 . تفسير ابن كثير / تفسير الحاقة . ( 3 ) « وقيل ما اجتيازه فساد له » تفردت بها أ . ( 4 ) « يعني اختصاره » تفردت بها أ .